علي بن محمد البغدادي الماوردي

59

أدب الدنيا والدين

العلماء : من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم . وقال الشاعر : إذا لم يذاكر ذو العلم بعلمه * ولم يستفد علما نسي ما تعلما فكم جامع للكتب من كل مذهب * يزيد مع الأيام في جمعه عمى « 1 » وان لم يفهم معاني ما سمع كشف عن السبب المانع منها ليعلم العلة في تعذر فهمها فإنه بمعرفة أسباب الأشياء وعللها يصل إلى تلافي ما شذ وصلاح ما فسد . وليس يخلو السبب المانع من ذلك من ثلاثة أقسام إما أن يكون لعلة في الكلام المترجم وإما أن يكون لعلة في المعنى المستودع وإما أن يكون لعلة في السامع المستخرج . فإن كان السبب المانع من فهمها لعلة في الكلام المترجم عنها لم يخل ذلك من ثلاثة أحوال : أحدها أن يكون لتقصير اللفظ عن المعنى فيصير تقصير اللفظ عن ذلك المعنى سببا مانعا من فهم ذلك المعنى وهذا يكون من أحد وجهين : إما من حصر « 2 » المتكلم وعيه وإما من بلادته وقلة فهمه . والحال الثانية أن يكون لزيادة اللفظ على المعنى فتصير الزيادة علة مانعة من فهم المقصود منه وهذا قد يكون من أحد وجهين : إما من هذر « 3 » المتكلم وإكثاره وإما لسوء ظنه بفهم سامعه . والحال الثالثة أن يكون لمواضعة « 4 » يقصدها المتكلم بكلامه فإذا لم يعرفها السامع لم يفهم معانيها . فأما تقصير اللفظ وزيادته فمن الأسباب الخاصة دون العامة لأنك لست تجد ذلك عاما في كل كلام وانما تجده في بعضه فإن عدلت عن الكلام المقصر إلى الكلام المستوفى وعن الزائد إلى الكافي أرحت نفسك من تكلف ما يكدر خاطرك وإن أقمت على استخراجه إما لضرورة دعتك إليه عند إعواز « 5 » غيره أو لحمية « 6 » داخلتك

--> ( 1 ) عمى : جهالة بنسيان ما فيها . ( 2 ) الحصر : العي في المنطق ، والفعل : كفرح . ( 3 ) الهذر : هذر في منطقة هذرا من بابي ضرب وقتل : خلّط وتكلم بما ينبغي ، والهذر بفتحتين ، اسم فيه ه - مصباح . وهذر من باب فرح : كثر كلامه في الخطأ أو الباطل . ( 4 ) المواضعة : ما ينقل عن موضوعه الأول . ( 5 ) إعواز غيره : أعوزه الشيء إذا احتاج اليه ، فلم يقدر عليه . ( 6 ) الحميّة : العار والأنفة ، مختار .